إنّ المتأمل في خارطة مصر الجغرافية يدرك على الفور أن شبه جزيرة سيناء تمثل حجر الزاوية في معادلة الأمن القومي والتنمية الاقتصادية معًا. فهي تمتد بين قارتي آسيا وإفريقيا، وتشرف على أهم المعابر والممرات الدولية، وتزخر بثروات طبيعية وموارد بشرية وثقافية تكاد تكون فريدة في تنوعها. وبرغم هذه الأهمية البالغة، فإن سيناء لم تحظَ، عبر تاريخ طويل، بما تستحقه من تخطيط تنموي شامل أو استثمار استراتيجي مستدام.

لقد كانت سيناء، في كثير من الحقب، منطقة عبور أو ساحة معارك، أكثر منها مركزًا للنمو والازدهار. وهو ما جعلها تعاني من تهميش مزمن، سواء على المستوى الاقتصادي أو الخدمي أو حتى الاجتماعي. وكما يشير الدكتور مصطفى النجار، الباحث في الجغرافيا السياسية، فإن “سيناء لم تكن فقط خارج نطاق التنمية، بل كانت في أحيان كثيرة خارج نطاق الرؤية الوطنية الشاملة، التي تضع الإنسان والمكان في قلب السياسات العامة”.

لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن سيناء مليئة بالجواهر؛ موارد طبيعية، أراضٍ زراعية، ثروات معدنية، مواقع سياحية فريدة، وقبل كل ذلك إنسان سيناوي قادر على البناء إذا مُنح الفرصة. من هنا، تنبع أهمية إنشاء مؤسسة البناء والتطوير بسيناء كمبادرة وطنية تنموية تهدف إلى تحويل هذه الجوهرة المنسية إلى عاصمة اقتصادية لمصر، ترتكز على التنمية المستدامة، والعدالة الاجتماعية، والشراكة المجتمعية الحقيقية.

ولعل أول محاولة جزئية لاستغلال جزء من هذه الإمكانات كانت في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، حين تم تطوير مدينة شرم الشيخ لتصبح واحدة من أهم الوجهات السياحية العالمية. وقد ساهم ذلك بشكل ملحوظ في دعم الاقتصاد الوطني من خلال تدفقات العملة الصعبة وفتح مجالات للعمل والاستثمار. لكن تلك التجربة، على أهميتها، ظلت محدودة النطاق، ولم تشمل سوى بقعة ضئيلة من جنوب سيناء، دون أن تُترجم إلى خطة استراتيجية شاملة تنهض بالمنطقة بأكملها.

رؤية المؤسسة: التعليم والاقتصاد أساس النهضة

إنّ مؤسسة رؤية سيناء تنطلق من قناعة راسخة بأن التعليم والاقتصاد هما ركيزتا أي نهضة حقيقية. فبدون تعليم نوعي يواكب العصر، ويمنح أبناء سيناء أدوات المعرفة والتمكين، ستظل التنمية سطحية وعرضة للتراجع. وبدون اقتصاد حقيقي متنوع – زراعي، صناعي، سياحي، رقمي – لا يمكن خلق فرص عمل ولا تحقيق الاستقرار المجتمعي.

أما على الصعيد الاقتصادي، فإن المؤسسة تسعى إلى تشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير قطاعات الزراعة الصحراوية، واستثمار الثروات التعدينية، وخلق بيئة جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي. وتستند في ذلك إلى ما أثبته العديد من الدراسات، مثل تقرير البنك الدولي لعام 2023 الذي أشار إلى أن “سيناء تمتلك فرصًا تنموية كبيرة في مجالات الطاقة المتجددة والزراعة الذكية والسياحة البيئية، إذا ما توفرت البنية التحتية والإدارة الرشيدة”.

التحديات كبيرة… لكن المشوار يستحق

ندرك تمامًا أن التحديات في سيناء ليست قليلة؛ بدءًا من البنية التحتية، مرورًا بالمعوقات الأمنية، وصولًا إلى الحاجة إلى بناء ثقة متبادلة بين الدولة وأبناء سيناء. لكننا نؤمن إيمانًا لا يتزعزع بأن المشوار يستحق. فبناء سيناء ليس مجرد مشروع تنموي، بل هو رسالة وطنية وتاريخية، عنوانها: لا تنمية بدون دمج الأطراف، ولا أمن بدون عدالة، ولا استقرار بدون تعليم واقتصاد.

إن مؤسسة رؤية سيناء لا تدّعي امتلاك كل الحلول، لكنها تطرح نموذجًا مختلفًا للتنمية: نموذج قائم على المشاركة، والشفافية، والتمكين الحقيقي للمجتمع المحلي. وهي تسعى لتكون حاضنة للأفكار، ورافعة للمبادرات، وجسرًا للتعاون بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

وفي الختام، نؤمن أن سيناء لا تحتاج إلى مزيد من الكلام، بل إلى أفعال مدروسة وشراكات حقيقية وإرادة لا تلين. فكما قال أحد الخبراء التنمويين: “إذا أردت أن ترى مستقبل مصر، فانظر إلى كيف تُدار سيناء”

أضف تعليق

الأكثر رواجًا